حالات الغيبوبة :فقدان الوعي واضطراب الوظائف الحيوية .


ما المقصود بالوعي ؟

حين نقول عن شخص ما انه في كامل وعيه فاننا ندرك جيدا ما الذي نقصده بذلك . غير انه من المؤكد اننا سوف نجد صعوبة كبرى اذا نحن حاولنا ان نقدم  تعريفا دقيقا للفظة الوعي Conscience . وتعود هذه الصعوبة الى تداخل عدة وظائف عصبية ونفسية في هذا المجال . اذ لا يمكن فصل الوعي عن الانشطة الاخرى مثل الادراك والتركيز والذكاء والنشاط الحركي فضلا عن الجوانب العاطفية والوجدانية . وهناك جانب يؤكد عليه علماء الفزيولوجيا والاطباء وهو ان الوعي لا يتلخص في اليقظة  Vigilance . فهم يعتبرون انه من الممكن تعريف اليقظة كنقيض للنوم . بمعنى انها حالة يدرك خلالها الفرد ما حوله عن طريق الحواس ويقوم بسلوكات تستجيب او تتلاءم مع مجموع المعطيات الادراكية . اما الوعي فانه لا ينحصر في هذا الذي ذكرناه . انه معرفة Connaissance وتمثل Représentation  لما يعيشه الفرد . وتتلى هذه المعرفة وهذا التمثل على الاصعدة الادراكية والحركية والذهنية والوجدانية . وكذلك على مستوى الذاكرة .

الجهاز العصبي وحالة الوعي :

يتفق الاخصائيون على ان حالة الوعي ليست وقفا على نشاط منطقة معينة من الجهاز العصبي دون غيرها . فجميع مكونات هذا الجهاز تساهم بشكل او بآخر في هذه الوظيفة العليا . وعلى العكس من ذلك اثبتت الابحاث والتجارب المتوالية ان حالة اليقظة ترتبط ارتباطا وثيقا بنشاط جهاز بعينه . ويتعلق الامر بالجهاز السردي الصاعد الذي  يوجد بين القنطرة والمخيخ والذي يتولى مهمة ابقاء الدماغ على حالة من اليقظة تتطلبها انشطة الحياة اليومية . ويتميز هذا الجهاز السردي ببنية تشريحية بالغة التعقيد . اذ تكفي الاشارة الى العدد الهائل للترابطات الليفية بين الجهاز الذي نتحدث عنه وباقي مكونات الدماغ . مما يدل على مدى التشابك بين الوظائف العصبية على اختلافها .

الغيبوبة : درجات متفاوتة الخطورة :

يركز تشخيص حالة الغيبوبة Coma على انعدام استجابة المريض لاي من المنبهات Stimulus  التي تهدف الى اثارة رد فعل لديه . فلا الاسئلة التي تطرح عليه ولا المنبهات الحاسية  كالجلبة الشديدة او الضوء الكثيف ، ولا المثيرات الحسية كالوخز بقادرة على ان تخلق لديه اي نوع من الاستجابة . وينطبق هذا التعريف في الواقع على حالات الغيبوبة العميقة . اما الحالات الاقل عمقا فهي تتميز بوجود شيئ من الاستجابة لبعض المنبهات . وهكذا فان المريض المصاب بغيبوبة خفيفة  Coma Leger يبقى قادرا على الادلاء ببعض الاجابات المبهمة على الاسئلة التي تطرح عليه . وذلك على الرغم من ذهوله ومن الانعدام المطلق لاية مبادرة حركية لديه .

اما الغيبوبة الثابتة  Coma Confirmé  فهي اعمق بكثير من الخفيفة . وخلالها لا يصدر عن المريض سوى بعض الهمهمات المتقطعة . وقد يحدث له مع ذلك ان يغير من وضع جسده بكيفية مباغتة . ووحدها المنبهات المؤلمة مثل الوخز قد تؤدي في هذه المرحلة الى بعض الاستجابات العضلية غير المتناسقة .

واخيرا فان الغيبوبة العميقة Coma Carus  تتميز بالجمود المطلق للمريض وبانعدام كلي للاستجابة لمختلف المنبهات التي اشرنا اليها . واذا ما تفاقمت هذه الغيبوب العميقة – كما يرى الاخصائيون – فان المريض سوف يسوخ تدريجيا في ما يسمى بالغيبوبة المتجاوزة  Coma Dépassé .  او التي لا رجعة فيها .

اهم اسباب الغيبوبة :

بعد تشخيص حالة الغيبوبة يكون لزاما على الطبيب ان يحدد السبب الذي ادى الى هذه الغيبوبة . وقديكون هذا السبب واضحا من البداية كما هو الشان مثلا بالنسبة الى رضوض الجمجمة والدماغ . اما في الحالات الاخرى فان التشخيص السببي قد يتطلب اجراء العديد من الفحوص الدقيقة . وهي فحوص لا تجرى عادة إلا بالمستشفيات ذات التجهيز العصري والمتطور . والواقع ان هناك اسبابا كثيرة جدا يمكن ان تؤدي الى حالة غيبوبة . ومن هذه الاسباب ما يمس الجهاز العصبي ومنها ما يرتبط بتسممات او باضطرابات او بامراض عامة .

الاسباب المرتبطة بالجهاز العصبي :

وهي متعددة ومتباينة فبالاضافة الى رضوض الجمجمة والدماغ التي سبقت الاشارة اليها نجد الحوادث الوعائية المخية التي تحتل مكانة هامة في هذا المجال وقد تكون هذه الحوادث على شكل نزيف مخي او احتشاء في انسجة المخ .

ويعتبر الصرع كذلك من العوامل التي قد تؤدي الى الغيبوبة . والشيئ نفسه بالسبة الى التهاب السحايا الحاد او المزمن والاعفانات الدماغية وبعض دمامل المخ . كما ان بعض اعتلالات الدماغ الناجمة عن ادمان الكحول تتطور في نسبة غير قليلة من الحالات نحو حدوث الغيبوبة . وهناك اسباب اخرى مرتبطة بالجهاز العصبي لكنها نادرة الحدوث .

الاسباب العامة :

وهي بدورها كثيرة  وعلى راسها داء السكري Diabète وقصور الكبد الحاد او المزمن والقصور الكلوي والوهط Collapsus  اي الهبوط الشديد في الدورة الدموية . ومن ضمن هذه الاسباب العامة نجد ايضا بعض الاعفانات مثل الحمى التيفية والخناق الغشائي في اشكالهما الخطيرة . كما تؤدي الحالات الموغلة للقصور الدرقي احيانا الى حدوث الغيبوبة .

وهناك مرضى يؤتى بهم الى مصلحة الانعاش فاقدين لوعيهم من جراء تناولهم لمقادير كبيرة من الادوية وهم غالبا ما يقدمون على ذلك بهدف وضع حد لحياتهم . وكثيرا ما تكون الادوية المستعملة من فئة المهدئات او مضادات الذهان . ولا يحب ان نغفل بطبيعة الحال ذلك النوع من الغيبوبة الذي ينجم عن التسمم باوكسيد الكاربون والذي كثيرا ما يصيب عدة افراد من نفس العائلة .

واخيرا نشير الى ان السكر الحاد قد يتطور بدوره نحو غيبوبة لا تخلو من خطورة خاصة اذا لم يتلق الشخص المعني الاسعافات الضرورية بكيفية سريعة .

Advertisements

One response to “حالات الغيبوبة :فقدان الوعي واضطراب الوظائف الحيوية .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s