الاولياء ومقاماتهم وكراماتهم.


تنتشر ظاهرة التعلق بالاولياء واللجوء اليهم لاستجلاب الخير ودرء الشر بكثرة في القطاعات المقهورة من السكان . وتتفشى خصوصا حيث يعم الجهل والعجز وقلة الحيلة  وحيث يتعرض الانسان لاقصى درجات الاعتباط من الطبيعة ياتيه كتهديد لقوته وصحته وولده ومن الانسان يصيبه كقمع وتسلط واستغلال . الانسان المقهور بحاجة الى ولي لشدة شعوره بعجزه وقصور امكاناته على التصدي والمجابهة والتاثير . ويحتاج الى حمايته نظرا لشدة احساسه بالعزاة والوحدة في مجابهة مصيره المحفوف بالمخاطر حين تلم به النوائب او يصاب في نفسه او ذويه او امنه او قوته . فالولي ملاذ ومحام يتقرب اليه ويتخذه حليفا ونصيرا كي يتوسط له لدى العناية الالهية . الولي هو ولي الله ومن خلال التقرب منه تتحقق الحاجات وتعم الرحمة الالهية . وتسقط على الولي قدرات خارقة لها علامات هي الكرامات التي تميزه عن سائر البشر .

تعترف الجماهير اجمالا بحدوث ظواهر خارقة على ايدي هؤلاء الاولياء تدل على ما يتمتعون به من امتياز عن سائر الناس  ومن قوة فائقة نظرا لقربهم من الاله . فالانبياء تقع على ايديهم المعجزات اما الاولياء فتظهر على ايديهم كرامات وخوارق هي في المرتبة الثانية بعد المعجزات . والكرامات قد تكون اجابة دعوة – تحقيق امنية اورجاء – او اظهارا للطعام في وقت الحاجة او تفجر ماء في زمن العطش او تخليصا من عدو . وكلها بالطبع تدل على قوة  هي على النقيض تماما من عجز الانسان المقهور وقصوره  وكلها تدل على ارتفاع مكانة وحظوة هي ايضا على النقيض تماما من ضعة الانسان المقهور ومهانته . ينقل الدكتور ابراهيم الخماش والدكتورة سلوى الخماش عن التاج السبكي في طبقاته الكبرى ان اهم الكرامات اربع وعشرون : احياء الموتى – كلام الموتى – انغلاق البحر والمشي على الماء – انزواء الارض – كلام الجمادات والحيوانات -ابراء العلل – طاعة الحيوانات – طي الزمان ونشر الزمان – استجابة الدعاء – امساك اللسان – جذب بعض القلوب – الاخبار ببعض المغيبات والكشف – الصبر على عدم الطعام والشراب – القدرة على تناول الكثير من الغذاء – الحفظ عن اكل الحرام – رؤية المكان البعيد من وراء الحجب – كفاية الله لهم الشر – التصور باطوار مختلفة -اطلاع الله اياهم على ذخائر الارض – عدم تاثير المسمومات –

من الواضح ان هذه الكرامات تشكل النقيض تماما لوضعية الانسان المقهور . فهي ترسم صورة الانسان الفائق الذي يعوض صورة الانسان المهان واقعيا . وهي تجسد اماني الجماهير المغلوبة على امرها في امل الخلاص من خلال وجود نموذج الجبروت الطفلي هذا ومن خلال امكانية التقرب من الولي صاحب الكرامات الخوارق الذي يفلت من قيود الواقع والزمان والمكان بواسطة الادعية والنذور والقرابين . تلك اوالية ضرورية للتوازن النفسي لهذه الجماهير العطشى الى ارضاء حاجاتها لمصير مغاير لمصيرها . فقط من خلال امل كهذا تظل حياة القهر ذات الافاق المسدودة والتهديد الدائم ممكنة .

تحدث الكرامات اجمالا لاناس اصطفتهم العناية الالهية دون ان يكون لهم في ذلك فضل او ارادة . فقد يكون صاحب الكرامة ذكيا او غبيا او جاهلا . وتلمج في ذلك الاعتباط الذي يميز وجود الانسان المقهور الخاضع لقدرية ليس له فيها اية مسؤولية . ذلك ما يدفع به الى القبول بقدرة من ناحية ويجنبه مشاعر الذنب النابعة من فشله من ناحية ثانية ويدغدغ في نفسه امله الطفلي بتغير ما ورائي يصيب مصيره فيحوله من حال الى حال من ناحية ثالثة . اذ قد يجد نفسه يوما صاحب كرامة دون ان يدري او يقصد ويكون له الخلاص والرفعة بعد بؤس وضعة . حينما يستفحل عجز الانسان وقصوره وحده الخلاص الخرافي يظل ممكنا كامل يبقي له على رمق من الحياة

تنتشر اضرحة الاولياء ومقاماتهم في كل ارجاء المجتمع المتخلف . ولا تكاد تخلو منه قرية او حي في المدن الكبرى . وتشكل هذه الاضرحة نواة التجمعات السكانية تقوم حولها اماكن العبادة ثم تحيط بها المساكن والمنازل والفنادق وتنتشر الاسواق التجارية . فهي اذا محجا وملجا واماكن للتبرك واستجلاب الخير كما انها اماكن للحماية من غوائل الطبيعة والناس . من جاور ضريح الولي فهو في مامن ولابد ان يناله قسط من بركته . تتجمع الجماهير المقهورة سكانيا حول اضرحة الاولياء ومقاماتهم كما يتجمع اعضاء حزب معين حول شخص الزعيم طلبا للهداية والحماية وتقربا من مصادر الخير .

وهناك كما يقول بدران والخماش اسطورة تخصص الاولياء في قضاء الحاجات . فهناك من يشفي من الصداع واخر من العقم وثالث من الحسد ورابع يرد الكيد وخامس يمد باسباب القوة على الحبيب الهاجر  وسادس ينصر على الغريم وغيره يرد الغائب وهكذا … ويبرز في التجمعات السكانية المتخلفة عدد من مقامات هؤلاء الاولياء يغطي كل الحاجات التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها والتي قصر الحاكم في القيام بواجب تلبيتها . ويقوم على هذه المقامات خدام وعلماء – يدعون انفسهم علماء – يسهرون عليها ويلعبون دور الوساطة بين صاحب الحاجة وبين الولي ويقودون خطاه في التقرب منه والدخول عليه من خلال مجموعة من الطقوس والادعية والابتهالات . وهم ينسجون الاساطير حول الخوارق والكرامات التي ياتيه هذا الولي ويروجون لزيارته وتقديم النذور الى مقامه مستفيدين من ذلك اكبر فائدة مادية ممكنة ومستغلين صاحب الحاجة المتشبث بامال الخلاص بعد ان حلت به كارثة لا يستطيع لها دفعا ولم يجد له فيها عونا ابشع استغلال . وابرز دليل على ذلك وجود مقامات اولياء يدعي خدامها تخصصها بحل مشكلات النساء على اختلافها – زواج – انجاب – مساعدة على ضرة – رد الحبيب او الزوج الى المنزل -ابعاد خطر الطلاق …. بالطبع تشكل المراة ضحية مختارة لاستغلال هؤلاء الخدام نظرا لتفاقم حاجاتها وقصر حيلتها ووطاة القيود التي ترزح تحتها في المجتمع المتخلف نظرا لجهلها وسيطرة الخرافة على عقلها بعد ان وقعت ضحية نظام اجتماعي فرض عليها اقصى درجات الغبن . وهكذا الحال عموما فياس الانسان المقهور من انصاف الحاكم وعون القوي هو الذي يلجئه الى مقامات الاولياء يتلمس بركتها وعونها . والبركة تعني بالضرورة الشعور بالعجز والشعور باهمية البركة يعني التقليل من دور الانسان في الخلق والابداع والتغلب والتفوق.

بالاضافة الى النذور والقرابين تحتل الادعية والابتهالات مكانة خاصة في التقرب من الاولياء والتماس قضاء الحاجات على ايديهم وببركتهم وتتنوع الادعية لتشمل مختلف الاغراض وتصلح لقضاء الحاجات المتنوعة للفئات المغبونة . فهناك ادعية للشفاء من المرض واخرى لتفريج الغم وثالثة لازالة الكرب ورابعة لتوسيع الرزق وخامسة لتوكيد المحبة وسادسة للخلافات الزوجية وهكذا … بالطبع يعمل شيوخ الطرق وخدام المقامات على تعقيد الادعية وادخال التكلف والتحذلق اللغوي عليها واسباغ طابع الغرابة التي توهم الانسان المغبون الجاهل بعلم وفير يقوم وراءها وسر دفين يكمن فيها ويجعلها مفتاحا للوصول الى بركة الولي . من خلال ترك هذا الاثر الباهر في نفوس الجماهير واشعارها بالعجز امام قوة علم شيوخ الطرق . يرسخ هؤلاء مكانتهم كوسطاء لدى الاولياء واسترضائهم ويدفعون الجماهير الى الاستسلام لهم والرضوخ لاستغلالهم

والادعية في اساسها تقوم على امل سحري في الخلاص من خلال الاعتقاد بجبروت الافكار والكلمات وما تتضمنه من رغبات . وبمقدار انتشارها ينتشر العجز عن التصدي للواقع بالموضوعية والعقلانية المطلوبين . ويمكن اعتبارها كمرآة تعكس اعماق المجتمع من حيث شعور افراده المقهورين بالضياع والوحدة وبحثهم عن معجزة للخلاص . ولذلك فانها تحمل مكانة هامة جدا في سلوك المراة في العالم المتخلف في تعاملها مع ماساتها لانها الاكثر غبنا وعجزا وقهرا في المجتمع . ولانه من ناحية ثانية لم يترك لها من مجال للتاثير في الواقع سوى مجال التعلق الخرافي بجبروت الافكار من خلال ادعية الرجاء والتمني  وادعية اللعنة والسخط سواء بسواء .

ان الادعية تشيع نفسيا نوعا من الاطمئنان الى القدر والمصير وتبث هدوءا في وجود الانسان المتازم من خلال القناعة بان هناك دائما جهة ما ستتولى حل الازمة وتخليصه منها . ثم هي تمتص اذا كانت مطولة جزءا من القلق والتوتر النفسي . وقد تتحول الى طقس هجاسي مكتسبة كل خصائصه ووظائفه – التكرار والاعادة واتباع نمط محدد وتسلسل دقيق  واحتواؤها على موضوعات ضد خوافية واخرى تجنبية .

من خلال هذه الصور الخيرة للاولياء وكراماتهم وبركتهم والادعية وغيرها من وسائل التقرب منهم يملا الانسان المقهور خواء عالمه العاجز المحدد بامل القدرة على التصدي لواقعه والتحكم بمصيره بمقدار ما يتخذ من هذه الرموز حلفاء له . جبروت الرجاء يحل محل الفعل التغييري . روحية الاستجداء والاحتماء تحل محل المطالبة بالحق والتصدي لانتزاعه .

في القادم : الجن والعفاريت والشيطان ……………………………………….يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s