الشيطان.


الشيطان .
اما الشيطان فهو افصح مثال على اسقاط المعاناة الذاتية . والتنصل من المسؤولية المصيرية خصوصا بما يكتسبه هذا الرمز من تعزيز ديني يجعله بمنآى عن الشك . ولهذا فهو كرمز يصلح تماما لاسقاط المساوئ الذاتية واوجه القصور الشخصية وتبرر انعدام تحمل المسؤولية . والواقع ان الدارس النفسي لا يستطيع ان يتمالك نفسه من التشابه الكبير بين خصائص الشيطان كرمز للشر وبين خصائص اللاوعي الانساني وما يقبع فيه من رغبات ونزوات ذات طبيعة عدوانية او جنسية وهي لا اخلاقية في الحالتين .

ان الشيطان هو رمز الشر والغواية والتمرد على الاوامر الالهية . وهو لذلك مغضوب عليه محكوم بالطرد من الجنة . ولكنه لقاء هذا الطرد سيظل ابديا وسيشكل مصدر اغراء وغواية دائمين للانسان . وهو الى ذلك مصدر اغراء بالتمرد والثورة على القيود الدينية والخلقية . لكل من هذه الخصائص ما يقابلها في اللاوعي الانساني . المكبوت ( النزوات المفروضة لتعارضها مع المعايير ) هو باستمرار مصدر الشر والتهديد بالغواية . تحرك المكبوت يثير الانا الاعلى ( الضمير الخلقي ) الذي ينزل اشد العقاب بالانسان اذا استسلم للغواية (لاغراء اشباع النزوات المكبوتة ) . ولذلك يطرد المكبوت من الوعي من الرغبة غير المقبولة الى حيز الكبت ولكنه لا يقضي عليها بل تظل ابدا متحركة دينامية تتربص ساعة غفلة من المرء ورقباته الخلقية كي تبرز تماما كالشيطان الذي ينسل الى الانسان في ساعة غفلة فيجعله يستسلم لما لا يرضاه من انجراف في ممارسات السوء . وكما ان ابليس لا ينام ومكره وحيلته لا حد لهما وتلبيسه ( الصور التي يظهر بها ذو اشكال لا حصر لها ) وطريقة استخفائه وتنكره تسمح له ان يفلت دوما من التنبه له وبالتالي فلا يامن شره الا الصفوة من ذوي الحظوة بالرعاية الالهية  كذلك هو اللاوعي تماما . الدوافع المكبوتة تاخذ الف وجه وشكل انها تكمن للمرء في الامور التي هي آخر ما يخطر بباله ان يتوقعها وهي تظهر في الحلم او اليقظة او الاضطراب السلوكي او العرض المرضي او الصراع العلائقي محققة مآربها . والمكبوت هو من حيث تعريفه عدو الانسان من الناحية الخلقية الواعية . ووطأته شديدة على النفس تتطلب كفاحا دائما ومضنيا بعض الاحيان . ولذلك فان اسقاطها على الشيطان من انجع الحيل للتخفيف من وطأتها وضغطها من ناحية والتخلص من وزرها ( وما يثيره من شعور بالاثم ( من ناحية ثانية .

وليس الشيطان مجرد رمز للغواية اللاواعية بل يلعب نفس الدور بالنسبة للوضعية الاجتماعية للانسان . كل اغراء بالتمرد على المعايير القمعية يلصق بغواية الشيطان وتغريره بالانسان . كل تقصير في النهوض بواجبات المصير الذاتي يلصق بتززين شيطاني . كل عدوان على الاخرين او النيل منهم يحمل وزره للشيطان . وبهذه الصورة تتحول الحياة بما فيها من احداث الى سلسلة ماساوية يقوم الشيطان باخراجها ويكون الانسان مجرد ممثل فيها دون ان يعرف تحديدا طبيعة الدور الذي يقوم به . وهكذا فان ( الشيطان لم يقتصر دوره في الواقع على الغواية في المسائل الدينية بل انه يتغلغل في اعماق نسيج الذات العربية بحيث يعزى اليه كل ما لا يرضى عنه الانسان او المجتمع وبهذا اصبح الشيطان ستارا تختفي وراءه كل العلل والاسباب  ومشجبا تعلق عليه التبريرات والمعاذير واصبح مستودعا للاخطاء والهفوات كبيرها وصغيرها سواء على مستوى الفرد او على مستوى الامة . وهذا ما ساعد على اضعاف آلية التحليل في العقلية العربية وتنمية التعليل الغيبي الساذج . وسهولة مغالطة الواقع بالتغاضي عن حقائقه المادية وارجاع كل شيئ الى الشيطان ) ابراهيم بدران وسلوى الخماش . يلاحظ هذان المؤلفان بصدد الشيطان كيف ان السلطة في البلاد النامية تشجع اجمالا التفسيرات الخرافية لظواهر الحياة وتساعد على انتشار الافكار والمعتقدات حول الشيطان لتمنع بذلك كل تحليل نقدي للامور مما يساعدها على تجنب الانتقاد والمآخذ واستمرار نفوذها واستغلالها . كم هي كبيرة الخدمات التي يقدمها رمز الشيطان لكل من السلطة  المستغلة والانسان المقهور في العالم النامي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s