الفرح والحزن.


الفرح والحزن .

 حين يتحدث الناس عن الفرح او عن الحزن فان العوامل المرتبطة بالوسط الخارجي هي التي تقفز الى الاذهان . غير ان الدراسات الحديثة قد اثبتت ان العوامل البيولوجية الداخلية تلعب هي الاخرى دورا لا يستهان به في هذا الميدان .

ما معنى المزاج ؟

يحدث لنا جميعا ان نحس بالفرح حينا وبالحزن حينا اخر … كما يحدث  لنا جميعا كذلك ان نتساءل عن السر في كون بعض الناس اكثر ميلا الى الفرح من غيرهم … فهم مستبشرون دائما متفائلون باستمرار ياخذون الحياة من جانبها الايجابي كما يقال خلافا لاولئك الذين يغلب عليهم الحزن والتشاؤم فلا يكاد احد يراهم سوى متجهمين مقطبين . والحق ان غلبة هذه الحالة او تلك مرتبطة اساسا بالمزاج ونحن كثيرا ما نستعمل لفظة المزاج هذه في احاديثنا اليومية فنقول مثلا ان فلانا شخص مزاجي وان فلانة متقلبة المزاج . ومع ذلك فنادرا ما نسال انفسنا عن المعنى الدقيق لهذه الكلمة . فما المقصود بالمزاج ؟

ان الاطباء النفسانيين يعرفونه بكونه تلك الحالة الوجدانية الجوهرية التي تضفي على نفسية الانسان في كل لحظة من اللحظات صبغة من الرضى او الانزعاج متارجحة بذلك بين قطبين هما الفرح والحزن . هذا فيما يتعلق بالتعريف الذي يدلي به الاخصائيون . بيد انه بامكاننا ان نقدم تعريفا  ابسط قائلين بان المزاج هو  بمثابة الاضاءة الداخلية للنفس . وقد تتراوح هذه الاضاءة بين النور الخافت الضئيل ( الحزن ) والضوء المشع المتوهج (الفرح ) . ولا يثبت المزاج على حال لدى الانسان فهو يتغير باستمرار ولكن طبيعة تغيراته تختلف باختلاف الاشخاص . وقد سبقت الاشارة الى ان هناك افرادا اكثر قابلية للانشراح واخرين اكثر استعدادا للكابة والحزن . ومن جهة اخرى فان  حالة المزاج لدى كل شخص مرتبطة باشباع او عدم اشباع حاجاته ودوافعه الغريزية من جوع وعطش ونوم وجنس … مثلما هي مرتبطة بقدرته او عدم قدرته على الاستجابة لمختلف المتطلبات الاجتماعية والترفيهية .

انواع المزاج : المزاج الدوري والمزاج الانطوائي : لقد كان الطبيب النفساني الالماني “كريتشمر ” من بين السباقين الى التمييز بين هذين الصنفين من المزاج .

– المزاج الدوري : ويتميز صاحبه على صعيد البنية الجسدية بكونه قصير القامة مع ميل واضح للبدانة . وتتجلى اهم خصائص المزاج الدوري في كونه ” ساخنا ” سريع التفاعل مع معطيات ومتغيرات العالم الخارجي . وقد سماه ” كريتشمر ” بالمزاج الدوري لان اصحابه يمرون بفترات من الانشراح تعقبها فترات من الكابة على نحو يكاد يكون منتطما . ويتصف اصحاب هذا النوع من المزاج كذلك بكونهم اشخاصا واقعيين يهتمون بالجانب العملي للاشياء .

– المزاج الانطوائي : ويتصف صاحبه على صعيد البنية الجسدية بطول القامة وبالنحول . ويختلف المزاج الانطوائي عن سابقه بالبرود وبنوع من الحياد الظاهري تجاه متغيرات المحيط الخارجي مع انطواء على النفس وفتور وجداني عام . والشخص الانطوائي دائم الانكباب على عالمه الداخلي دائم النظر في اعماق نفسه . وبالطبع فان هذه الخصائص تؤدي الى صعوبة كبرى في الاندماج الاجتماعي . وحتى حين يبدو الشخص الانطوائي مندمجا الى حد ما فانه لا يتوصل الى ذلك سوى عبر تمسكه بالشكليات التي تخفي خلفها توقا شديدا الى العزلة ونفورا عميقا من صحبة الغير .

ولابد من الاشارة  بهذا الصدد الى ان كريتشمر قد بنى تصنيفه في بداية الامر على الخصائص المورفلوجية اي المرتبطة بالبنية الخارجية للجسم فحسب . وقد ميز حينئذ بين ثلاثة انواع من الشخصيات القصير البدين والطويل النحيل وصاحب البنية الرياضية . ثم سرعان ما انتبه الى ان هناك خاصيات مزاجية معينة تقابل النوعين الاولين الامر الذي ادى به الى التمييز بين المزاج الدوري والمزاج الانطوائي .

كابة وانشراح : 

يمكن ان نستخلص مما سبق ما للمزاج من اهمية كبرى وكيف تضفي تغيراته صبغة خاصة على الحياة اليومية للانسان . وقد راينا كيف يتراوح المزاج الدوري بكيفية  شبه منتظمة بين الانشراح والكابة في حين يتميز المزاج الانطوائي ببرود لا يبدو من خلاله انشراح ولا كابة . ولا يعني هذا ان كل واحد من الناس ينتمي بالضرورة الى هذا النوع او ذاك . اذ يمثل هذان النوعان في حقيقة الامر حالتين قصويين . من جهة اخرى فان اهمية تصنيف كريتشمر تتجلى في توكيده على مسالة اساسية وهي ان تغيرات المزاج علاوة على ارتباطها بتغيرات الوسط الخارجي تبقى رهينة ايضا بمختلف العوامل اللصيقة بشخصية الانسان .

وثمة جانب لابد من التاكيد علي اهميته كذلك وهو ان تغيرات المزاج في الحالات العادية تبقى دائما في حدود معينة لا تتجاوزها باي حال من الاحوال . اما في الحالات المرضية فان الامر يختلف جذريا عما ذكرناه . ذلك ان الحزن قد  يصبح مرضيا مثلما قد يصبح الفرح مرضيا هو الاخر . والحزن المرضي هو ما يسميه الاطباء “الاكتئاب النفسي ” Dépression  وقد تزيد حدته او تنقص حسب الحالات اما الفرح المرضي فهو ما يسميه الاطباء ب ” الهوس ” Manie. ومن مميزات انه يؤدي الى احتدام حقيقي للمزاج . مما يجعل المريض يعيش حالة من الاندفاع المرضي التي تجعله غير عابئ بما حوله .

ahmedii2

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s